عبد الملك الثعالبي النيسابوري

45

اللطائف والظرائف

باب مدح العلوم قد مدح أبو عثمان الجاحظ أنواع العلوم وذمها بأعيانها معربا عن قدرته على الكلام وبعد شأوه في البلاغة ، وحين سئل عن الأثر قال : هو أخبار الماضين ، وأنباء الغابرين ، وقصص المرسلين ، وآداب الدنيا والدين ، ومعرفة الفرض والنافلة ، والشريعة والسنّة ، والمصلحة والمفسدة ، والنار والجنة ، إلى صاحبه تشد الرحال ، وحوله يعتكف الرجال ، ويسير به ذكره في البلدان ، ويبقى اسمه على ممر الزمان . قيل : فالفقه ؟ قال : فيه علم الحلال والحرام ، وبه تعرف شرائع الإسلام ، وتقام الحدود والأحكام ، وهو عصمة في الدنيا ، وزينة في الأخرى ، يخطب لصاحبه فضل الأعمال ، ويخلع عليه ثوب الجمال ، ويلبسه الغنى ، ويبلغه مرتبة القضا . قيل : فالكلام ؟ قال : عيار كلّ صناعة ، وزمام كل عبارة ، وقسطاس يعرف به الفضل والرجحان ، وميزان يعلم به الزيادة والنقصان ، ومحك يتميز به الخاص والعام ، والخالص والمشوب ، ويعرف به الإبريز والستوق ، وينظر به الصفو والكدر ، وسلم يرتقى به إلى معرفة الصغير والكبير ، ويوصل به إلى الحقير والخطير ، وأدلة للتفصيل والتحصيل ، وإدراك الدقيق والجليل ، وآلة لإظهار الغامض المشتبه ، وأداة لكشف الخفي الملتبس ، وبه تعرف ربوبية الرب وحجة